ابن كثير
324
البداية والنهاية
وسلمهم الله ، وكذلك خرج القضاة ، وكذا كاتب السر ووكيل بيت المال وغيرهم من كتاب الدست ، وأصبح الناس يوم السبت وليس أحد من الجند بدمشق ، سوى نائب الغيبة الأمير سيف الدين بن حمزة التركماني ، وقريبه والي البر ، ومتولي البلد الأمير بدر الدين صدقة بن أوحد ، ومحتسب البلد ونواب القضاة والقلعة على حالها ، والمجانيق منصوبة كما هي . ولما كان صبح يوم الأحد رجع القضاة بكرة ثم رجع ملك الأمراء في أثناء النهار هو وتومان تمر ، وهم كلهم في لبس وأسلحة تامة ، وكل منهما خائف من الآخر أن يمسكه ، فدخل هذا دار السعادة وراح الآخر إلى القصر الأبلق ، ولما كان بعد العصر قدم منجك واستدمر كان نائب السلطنة بدمشق ، وهما مغلولان قد كسرهما من كان قدم على منجك من العساكر التي جهزها بيدمر إلى منجك قوة له على المصريين ، وكان ذلك على يدي الأمير سيف الدين تمر حاجب الحجاب ويعرف بالمهمندار ، قال لمنجك كلنا في خدمة من بمصر ، ونحن لا نطيعك على نصرة بيدمر ، فتقاولا ثم تقاتلا فهزم منجك وذهب تمر ومنجك ومن كان معهما كابن صبح وطيدمر . ولما أصبح الصباح من يوم الاثنين خامس عشر لم يوجد لتومان تمر وطبترق ولا أحد من أمراء دمشق عين ولا أثر ، قد ذهبوا كلهم إلى طاعة صاحب مصر ، ولم يبق بدمشق من أمرائها سوى ابن قراسنقر من الأمراء المتقدمين ، وسوى بيدمر ومنجك واستدمر ، والقلعة قد هيئت والمجانيق منصوبة على حالها ، والناس في خوف شديد من دخول بيدمر إلى القلعة ، فيحصل بعد ذلك عند قدوم الجيش المصري حصار وتعب ومشقة على الناس ، والله يحسن العاقبة . ولما كان في أثناء نهار الاثنين سادس عشره دقت البشائر في القلعة وأظهر أن يلبغا الخاصكي قد نفاه السلطان إلى الشام ، ثم ضربت وقت المغرب ثم بعد العشاء في صبيحة يوم الثلاثاء أيضا ، وفي كل ذلك يركب الأمراء الثلاثة منجك وبيدمر واستدمر ملبسين ، ويخرجون إلى خارج البلد ، ثم يعودون ، والناس فيما يقال ما بين مصدق ومكذب ، ولكن قد شرع إلى تستير القلعة وتهيئ الحصار فإنا لله وإنا إليه راجعون . ثم تبين أن هذه البشائر لا حقيقة لها ، فاهتم في عمل ستائر القلعة وحمل الزلط والأحجار إليها ، الأغنام والحواصل ، وقد وردت الاخبار بأن الركاب الشريف السلطاني وصحبته يلبغا في جميع جيش مصر قد عدا غزة ( 1 ) ، فعند ذلك خرج الصاحب وكاتب السر والقاضي الشافعي وناظر الجيش ونقباؤه ومتولي البلد وتوجهوا تلقاء حماة لتلقي الأمير على الذي قد جاءه تقليد دمشق ، وبقي البلد شاغرا عن حاكم فيها سوى المحتسب وبعض القضاة ، والناس كغنم لا راعي لهم ، ومع هذا الأحوال صالحة والأمور ساكنة ، لا يعدو على أحد فيما بلغنا ، هذا
--> ( 1 ) كان خروجه من القاهرة يوم الاثنين مستهل رمضان كما في النجوم الزاهرة 11 / 5 ، وفي بدائع الزهور 1 / 582 : في أوائل شهر رمضان . وفي الجوهر الثمين لابن دقماق 2 / 217 : في شهر شعبان .